الطاهر ساتي يكتب: (غير آجل)

26

:: ومن الصور النمطية الراسخة في أذهان الشعوب عن البريطانيين أنهم شعب مصاب بجمود المشاعر في كل المواقف، بما فيها مواقف الغضب والحزن.. ولكن دراسة، أجرتها المؤسسة البريطانية للصحة العامة، في مارس 2008، دحضت هذه الصفة، وأثبتت أن المسمى بالبرود الإنجليزي صار من (تقاليد الماضي)، وأن الجيل الراهن من الإنجليز لم يعد يكبح جماح مشاعره كما كانت تفعل الأجيال السابقة.. ولم تقل تلك الدراسة إن الإنجليز تنازلوا عن جمود مشاعرهم – أي برودهم – لرئيس وزراء السودان د. عبد الله حمدوك، ولكن يبدو أن هذا ما حدث..!!
:: لقد مضى أسبوعاً على ما نشره الإعلام عن مقربين من حمدوك أنه أبلغ بعض خاصته من السياسيين والمفكرين بأنه يعتزم التقدم باستقالته من منصبه خلال ساعات، كما قال خبر (رويترز).. ثم حدث تغيير طفيف في الخبر، وذلك إثر تسريب آخر من مقربين أيضاً، بحيث قالوا إن سيادته أرجأ تقديم استقالته أياماً، بدلاً عن الساعات.. مضت الساعات ثم الأيام، ولم يقدم حمدوك استقالته، وهذا ليس مطلوباً.. ولكن المؤسف أن سيادته لم يوضح للشعب ما يحدث في دهاليز حكومته، وهذا هو المطلوب..!!
:: نعم، إن لم يكن لسيادته من الوقت نصف ساعة يعقد خلالها مؤتمراً صحفياً يؤكد – العزم على الاستقالة – أو ينفي، ثم يوضح عما يحدث في حكومته، فإن مجرد بيان من ثلاثة أسطر يكفي توضيحاً.. توقعت أن يتكلم رئيس الوزراء سريعاً ومباشراً للشعب، كما يفعل الرؤساء الذين يحترمون شعوبهم ويصارحونها بكل وضوح.. ولذلك من الغرائب أن يقابل رئيس وزراء السودان مثل هذه التسريبات بالصمت واللامبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه أو كأن الشعب الذي يحكمه سيادته لا يستحق المصارحة والمكاشفة..!!
:: على كل، إن كانت الغاية من الثورة هي تفكيك الدولة العشوائية، ثم التحول إلى دولة مؤسسات تتم فيها صناعة القرار بمؤسسية، فإن هذا لم يحدث بعد .. لقد تم إهدار ثلاث سنوات من عمر الشعب والبلد، وظلت خلالها النخب المدنية والعسكرية الحاكمة – قبل وبعد 25 أكتوبر – عاجزة عن الارتقاء لمستوى المسؤولية.. والشاهد، قبل 25 أكتوبر، كان رئيس الوزراء مُقيّداً بقيود الحرية والتغيير، أي لم يكن حُراً في صناعة القرار.. وإن كانت تلك القيود تبريراً لسيادته حين يعجز عن فعل أو يفشل، فهي لم تعد كذلك..!!
:: وبالمناسبة، كتبتها عندما فرضوا عليه وزراء حكومته الأولى، بالنص: (لقد أخطأ زعماء قوى الحرية بعدم تفويض حمدوك باختيار قيادة أجهزة الحكومة كما يشاء، ودون إلزامه بترشيحاتهم، وكذلك كان على حمدوك رفض سياسة “نريِّسك ونجهجهك”..).. واليوم أيضاً، من العدل أن نقول للمجلس السيادي (أخطأت) حين يعجز رئيس الوزراء عن فعل شيء أو يفشل في فعل شيء.. فالاتفاق السياسي ينص على عودة رئيس الوزراء مستقلاً – وبلا قيود – لإدارة دفة الجهاز التنفيذي، ويجب الالتزام به..!!
:: ثم إن التلويح بالاستقالة لا يعني الشعب، فالعهد الذي بين رئيس الوزراء والشعب هو أن يُشكل سيادته مجلس وزراء حكومته المستقلة (كما يشاء)، ثم يُعين في وظائف الخدمة العامة من الكفاءات المستقلة (كما يشاء)، ثم يتحمل مسؤولية إدارة دفة الجهاز التنفيذي.. ولو عجز حمدوك عن ممارسة سلطاته بسبب قيود المجلس السيادي، فليصارح الشعب بذلك، ثم يستبد مقدماً استقالته عاجلاً (غير آجل)، فإنما العاجز من لا يستبد..!!

AdSense

التعليقات مغلقة.