الطاهر ساتي يكتب: (عجوة بالعسل)

21

:: يُقال إن العرب في جاهليتهم كانوا يصنعون أصنامهم مما يحبون.. على سبيل المثال، من يُحبون الحجر كانوا ينحتون أصنامهم من أصلب الأحجار وأجودها ثم يُزيّنوها ويُعطرونها ويعبدونها.. ومن يُحبون الرمال، كانوا يبنون أصنامهم من أنقى الرمال وأبيضها، ثم يُزخرفونها باللآلئ البهية ثم يعبدونها.. وكذلك من يحبون التمور، كانوا يصنعون أصنامهم من (العجوة)، ويرشونها بالعسل والسمن، ويعبدونها ثم.. يأكلونها عند الجوع..!!
:: والوثيقة الدستورية لا تختلف عن أصنام العجوة التي كان يُعبدها كُفار قريش، ثم يأكلونها عند الجوع.. وعلى سبيل المثال، مُهاجماً نائب رئيس السيادي محمد حمدان حميدتي، حول تبعية جهاز المخابرات والشرطة، يقول الوزير يرئاسة مجلس الوزراء خالد عمر: (تصريحات النائب خرقٌ واضحٌ للوثيقة الدستورية التي تنص على خُضوع الشرطة للسلطة التنفيذية، وخضوع المخابرات للسلطتين السيادية والتنفيذية)، ولأن الوثيقة الدستورية هنا آلهتهم، عبدوها..!!
:: ولكن بعد أن صمت عاماً، كشف إبراهيم الأمين، نائب رئيس حزب الأمة القومي، عما أسماه بتلاعب حدث في ذات الوثيقة الدستورية، من قبل ثلاثة مسؤولين، لم يفصح عن أسمائهم،، مُكتفياً بأنهم يتبعون للمكونين (العسكري وقوى الحُرية)، وموضحاً أن تلاعب هؤلاء الثلاثة تم دون علم وفد التفاوض والوسطاء والشهود، ولم يفصح الأمين عن البنود التي هم فيها تلاعبوا.. ولكن المؤكد أن الثلاثة جاعوا، ولأن الوثيقة هنا مجرد (عجوة بالسمن)، أكلوها..!!
:: ولعلكم تذكرون ما حدث للوثيقة الدستورية بقاعة الصداقة في خضم الفرح.. فالوثيقة كانت هناك تنص على الآتي: (لا يجوز تعديل أو إلغاء هذه الوثيقة إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي).. وفي سلطات المجلس السيادي – في البند 11 – تؤكد الوثيقة بالنص: (اعتماد تعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بعد ترشيحهم من قِبل مجلس القضاء العالي).. هنا كانت الوثيقة آلهتم، فعبدوها..!!
:: ولكن بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية ثم التلويح بها للشعب، وقبل أن يغادر السادة الوسطاء والشهود الخرطوم، سارعوا إلى إضافة النص: (ولحين تشكيل مجلس القضاء العالي يعين مجلس السيادة رئيس القضاء).. أضافوا النص رغم يقينهم بخطأ فعلهم، إذ لا يجوز تعديل الوثيقة – ولو بإضافة شولة – إلا بثلثي الأعضاء، وعلى هذا أقسموا على المصاحف.. ولكنهم خانوا القسم، وأكلوا الوثيقة، لأنها كانت هنا مجرد (عجوة بالسمن)..!!
:: ثم أن الوثيقة الدستورية كانت تنص على تشكيل مجلس الوزراء من رئيس، وما لا يتجاوز عشرين وزيراً، من (الكفاءات الوطنية المستقلة)، يتم تعيينهم من قائمة قوى الحرية، ما عدا الدفاع والداخلية، يرشحهما المكون العسكري، وهنا كانت الوثيقة كالآلهة، فعبدوها.. ثم ذهبوا الى جوبا، ودون الرجوع الى المجلس التشريعي، حذفوا كلمة (المستقلة) من الوثيقة، ليشكلوا حكومة المحاصصات الحالية، لأن الوثيقة تحولت إلى مجرد (عجوة بالسمن)..!!
:: وبعد كل هذا يتحدثون عن انتقال رئاسة المجلس السيادي الى المدنيين في يونيو القادم، كما تنص الوثيقة الدستورية.. هكذا يحدثون الناس، وكأن الثلاثة الذين يعرفهم إبراهيم الأمين (شبعوا)، أو كأن البرهان لن يجد ثلاثة آخرين من مُحبي (العجوة بالسمن) قبل يونيو القادم..!!

AdSense

التعليقات مغلقة.