السفير عمر دهب يكتب: أمـريكـــا في اليمــــــن

23

يعجب المرء من الأخطاء التي يرتكبها الكبار في تنفيذهم لمهام السياسة الخارجية وتحقيق أهدافها. ومن ذلك ما صدر عن الإدارة الأمريكية الحالية علي لسان مبعوثها لليمن ” ليندر كنق” الذي أعترف recognized في تصريح له بشرعية legitimacy الحوثيين أو ” انصار الله” كطرفٍ في الصراع الدائر في اليمن وهو الصراع الذي أدى الي تدمير اجزاءٍ واسعة في هذا البلد الشقيق ودخول نحو عشرة مليون يمني في دائرة المجاعة.

وقد يكون ثمة إِستدراك بشأن حقيقة الوضع وأن ما يبدو كخطأ في مستهله ما هو إلا تطبيق لإِستراتجية بعيدة تهدف لتقسيم المقسّم وإحالة المنطقة العربية كلها الي دويلات وكانتونات وإقطاعيات مذهبية وعرقية واثنية مثل ما دعا إِليه المستشرق برنارد لويس وأمثاله ممن يجدون للأسف اذاناً صاغية لدى صانعي السياسة في الغرب. هذا الإِستدراك نفسه يقود إلي إستدراك آخر وهو أن تقسيم المقسّم قد يكون سياسة غير مجمعٍ عليها سعى الجمهوريون عموماً وتاريخياً إلى تطبيقها وإختبارها فى الواقع خاصة فى المنطقة العربية وقد حادت عنها اليوم الإدارة الديمقراطية التى أعلنت أنها ستبذل كل ما فى وسعها لوقف التدهور فى الأوضاع الإنسانية فى اليمن ودرء المجاعة المستفحلة. وفى سبيل ذلك فأَن الإدارة الحالية كانت ترى فى إدراج الحوثيين (أنصار الله) فى القائمة الأمريكية للمنظمات الأجنبية الإرهابية FTO والذى تم فى آخر أسبوعين من عمر إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب عقبة أمام جهود الأمم المتحدة والجهود الأمريكية لإنتشال اليمن من التدهور المريع والمستمر فى الأوضاع الإنسانية ولذلك سارعت إلى رفع أنصار الله من هذه القائمة فى بحر الأسابيع الأولى لتولى جو بايدن سدة الرئاسة الأمريكية.

كان هم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو قوتيرش ووكيله للشئون الإنسانية البريطانى مارك لوكوك ومن خلفهما المجتمع الدولى هو إزالة هذه العقبة الأمريكية التى وضعتها الإدارة المنصرفة فى آخر عهدها والتى تقف في وجه جهودهم الإنسانية المبذولة فى أنحاء اليمن المختلفة. ليس إلا!

غير أن الموقف الأمريكى الأخير بإضفاء شرعية مفتقدة على الحوثيين والإعتراف بها صراحةً قد عقد الوضع تماماً ووضع عقبة كأداءلا تقل عن عقبة دمغ الحوثيين بالإرهاب فى مواجهة ودرء المجاعة وإستئصال أسبابها. إن هذا الإعتراف سيؤدى إلى دفع الحوثيين وتجرؤهم فى المضئ قدماً فى عملياتهم العسكرية وإكتساب المزيد من الأراضى وإستهداف المدنيين وترويعهم.

لم تكن الإدارة الأمريكية فى حاجة لذلك الإعتراف لأن الضرورات الإنسانية إضافة لضرورات التفاوض لتسوية سلمية تنهى الإقتتال من شأنها أن تمكّن الأطراف الوطنية كلها وتمكن الأمم المتحدة وشركاء السلام الآخرين من التفاعل الكامل مع الأطراف المتحاربة والقيام بأعمال الإغاثة الإنسانية والتفاوض دون حاجةٍ لإشتراط مثل هذا الأعتراف أو تقديمه طواعيةً. ذلك هو – كما أسلفنا فى موضوع آخر – هو مقتضى المادة الثالثة المشتركة فى إتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م والملحق الثانى لها لعام 1977م وهى صكوك أثبتت نجاعتها وجدواها العملية على الدوام فى أوضاع مماثلة وتطورت بحيث أصبحت جزءاً من نصوص القانون الدولى العرفى التى لا تتطلب المصادقة أو الإنضمام من قِبل أية دولةٍ فى العالم للإلتزام بها.

يماثل الخطأ الأمريكى رصيفَه السودانى الذى رفع من وضع الحركات المسلحة إلى مصافى (حركات الكفاح المسلح) “للخلاص والأنعتاق من ربقة الإستعمار والهيمنة الأجنبية”!!

AdSense

التعليقات مغلقة.