إيمان كمال الدين تكتب .. (ظِل المدينة)

15

ها هي المدينةُ بكل اتساعها تتحول إلى ركنٍ صغير، تضيق فيه المساحات، ترتفع فيه الأصوات حتى تعجز عن التمييز، ثم تفقد القدرة على السماع، ولا تجد موطئ قدم، يستوي الليل والنهار، تُشرق الشمس كعادتها لكنها تظلُ في كبدِ السماء، وتظل القلوب والأرواح في ليلها البهيم، ورغم ذلك يتصارع الكل على هذه المدينة، أو ما تبقى منها.

عرافةٌ طاعنةٌ في السن تجلس على قارعة الطريق تقول أن الساعة قد اقتربت، وتزعم أن باستطاعتها قراءة الكف لرؤية مستقبلي، تسعى لإقناعي بذلك، أقتربتُ منها، ظلت تردد: أن الساعة قد أقتربت.

وليت هاربة وشيءٌ في نفسي يحدثني أن في الحياة متسع، وأنني لم أفعل كذا، وكذا وأحصي أحلامي، ثم يرتفع صوت العرافة مجددًا رغم هرولتي بعيدًا عنها: أقتربت الساعة.

على الرصيف كتيب عن علامات الساعة الصغرى والكبرى، أقوم بشرائه وأقرأ ، أعود أدراجي مجددًا أعيدهُ للبائع، يرفض، أتوجه به نحو العرافة أمنهحا الكُتيب وأقول: كذب المنجمون ولو صدقوا.

ورغم ذلك عدت أدراجي نظرات العرافة تُلاحقني مددت كفي وحين رأت خطوطها متباعدة وتلمّست بأصابعها يداي، قالت أن الحزن سيفارق دربي خطان متوازيان لا يلتقيان، وأن فرح القلب قريب، فعلت وجهي ابتسامة، ابتسامة حزينٍ ساخر، أو لعلها خرجت من بين براثن اليأس، جميعنا نهوى أحيانًا سماع أن الحزن ولى تمامًا، جميعنا يتعلقُ بقشة الغريق، بالوعود المنثورة وننسى أن أول وكل من ألقى وعدًا بضمان بذلك كان أول من ينكص بالوعد، فالقاعدةُ كما قال الشاعر الصادق الرضي لا تثق بالقلبِ إن العشق يؤذي.

ترتفع الأصواتُ مجددًا، القمامةُ على قارعة الطريق، بائعو الكتب والأحلام والسياسة، والحب، كلُ شيء متاح إلا الحقيقة.

يقول الروائي كارلوس زافون في روايته ظل الريح ثمة أشياء لا نستطيع رؤيتها إلا في الظلام، ويومٌ تلو آخر تتسع الدائرة تُطفأ الأنوار، بعضها بفعل فاعل، وبعضها أضاء بما يكفي، بما يكفي ليحمل البعض قنديلهُ بداخله ليمضي دون حاجة لأن يشعل له أحدهم عود ثقاب، فبعضهم يحرق ولا يُنير، خيطٌ رفيع بين نارٍ تحرق وأخرى تضيء، متى يجب علينا أن نضع شعلة النار، أين نُشعل عود الثقاب، البعض لا يبالي، فيمضي يحرق قلبًا تلو آخر، روحٌ تلو روح، وحياةٌ تلو أخرى، البعضُ لا يرى.

هكذا هي الحياة، وهكذا أقدارنا، ونبدو كمدينةٍ صاخبة وهادئة، مدينةٌ تحمل أضدادها لكنها تضجُ بالحياة يسفك الإنسان على أرضها الدماء، تفتح السماء أبوابها لتغسل خطيئة الأرض.

وما زلتُ أرجو أن تغسل السماء خطايا مدينتي، وأن تدرك العرافة أنهُ لا يسعنا إلا الحياة، فقراءةُ الكف لا تصنع أو تغيرُ قدرًا.

إيمان كمال الدين

eimankamal8@gmail.com

AdSense

التعليقات مغلقة.