إزيكيل جيه. إيمانويل يكتب: لماذا يموت عدد أكبر من الرجال بسبب «كوفيد ـ 19»؟

28

*ساور أزيتا غاهرماني القلق من أنها لن تنجو من إصابتها بفيروس «كوفيد – 19» بسبب ظروفها الصحية، بما في ذلك معاناتها من ارتفاع ضغط الدم. ودفعها ذلك هي وزوجها سكوت داونينغ وابنهما إلى التزام اليقظة والحذر الشديد، لدرجة أنهم انتقلوا إلى منطقة نائية من ولاية مين، وحرصوا على تجنّب معظم التفاعلات الاجتماعية.

*ومع ذلك، أصيب الثلاثة بفيروس «كوفيد – 19» في مارس (آذار) 2021، ربما بسبب تعرضهم للفيروس أثناء حضورهم جنازة أحد الأقارب. ومع ذلك، لم تكن غاهرماني مَن أوشك على الموت جراء الإصابة بالفيروس، وإنما زوجها.

*ورغم أنه في الخمسينات من عمره ولاعب تنس نشيط، بجانب حرصه على تناول طعام صحي ولا يعاني أي مشكلات صحية، انتهى الأمر بداونينغ في وحدة العناية المركزة. وبعد قرابة ثمانية أشهر، لا يزال متوقفاً عن العمل في إجازة مرضية، ولم يبدأ إلا في وقت قريب التخلص من الأكسجين الإضافي خلال فترات الليل.

*في الواقع غاهرماني أحد معارف عائلتي، وحالة زوجها تعد مثالاً جيداً على واحدة من المشكلات المستمرة المصاحبة للجائحة، ذلك أن الرجال أكثر احتمالاً لأن يموتوا بسبب «كوفيد – 19» من النساء، علاوة على أنهم أكثر عرضة للاعتماد على أنابيب التنفس الصناعي وقضاء فترة طويلة داخل المستشفيات. واللافت أن هذا التباين في معدلات الوفيات بين النوعين قائم منذ فترة مبكرة من وقوع الجائحة، قبل ظهور أي لقاحات.

*ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما نجد أيضاً أن الرجال أكثر احتمالاً للإصابة ببعض المضاعفات النادرة بسبب بعض لقاحات «كوفيد – 19»، وأن يواجهوا تراجعاً أسرع في مقاييس المناعة بعد حصولهم على التطعيم. وحتى هذه اللحظة، لا تزال الأسباب التي تقف خلف ذلك غير واضحة.

*تاريخياً، جرى استبعاد النساء إلى حد كبير من الدراسات الطبية، وغالباً ما كان هناك نقص في الأبحاث حول المشكلات الصحية التي ينتمي السواد الأعظم من مرضاها إلى النساء. وبالتأكيد، يعد هذا خطأ أخلاقياً وحماقة طبية في الوقت ذاته، لأنه يقلّص قدرة الأطباء على تقديم الرعاية المثلى. وبدلاً من غضّ الطرف عن الاختلافات بين النوعين فيما يخص تداعيات الإصابة بـ«كوفيد – 19»، يتعيَّن على العلماء توجيه الاهتمام الواجب إلى هذه الاختلافات، على أمل الوصول إلى تفهم أفضل لطبيعة المرض وكيفية علاجه.

*وتكشف البيانات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أنه داخل الولايات المتحدة، تمثل النساء 45.6 في المائة من وفيات «كوفيد – 19» حتى الآن، بينما يمثل الرجال 54.4 في المائة. (يشكل الرجال أقل بقليل من نصف سكان الولايات المتحدة).

*وبين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 65 و84 عاماً – المجموعة الأكثر عرضة لخطر الإصابة بفيروس «كوفيد – 19» في صورته الحادة – تبدو الفجوة أكبر: 57.9 في المائة من الوفيات وقعت في صفوف الرجال، بينما بلغت النسبة بين النساء 42.1 في المائة. ووفقاً لمعهد بروكينغز، توفي عدد أكبر من الرجل عن النساء بفارق 65.000 على الأقل بسبب «كوفيد – 19» داخل الولايات المتحدة. أما على الصعيد العالمي، فجاءت نسبة الوفيات بين الرجال أعلى بنسبة تقارب 50 في المائة.

*وتوحي المقارنة بين مناطق مختلفة داخل الولايات المتحدة بوجود العديد من الوفيات التي يمكن الوقاية منها. وخلصت دراسة أجريت في يوليو (تموز) 2021 إلى أنه مقارنة بالنساء، فإن معدلات الوضع على أجهزة التنفس الصناعي كانت أعلى بين الرجال المصابين بـ«كوفيد – 19» بنسبة 50 في المائة تقريباً، بينما زادت فترات إقامة الرجال في المستشفيات على النساء بنسبة 22 في المائة.

*وبالمثل، يبدو أن بعض المضاعفات المرتبطة بلقاحات «كوفيد – 19»، رغم ندرتها، تحدث بين الرجال بمعدلات أكبر من النساء. على سبيل المثال، كشفت دراسة حديثة أُجريت في إسرائيل حول لقاح «فايزر – بيونتيك» أن الإصابة بالتهاب عضلة القلب كانت أعلى بنحو 18 ضعفاً بين الرجال عنها في النساء فوق 16 عاماً.

*أيضاً، هناك أدلة تشير إلى أن المناعة المكتسبة من لقاح «فايزر» تتضاءل بسرعة أكبر بين الرجال. ووجدت دراسة حديثة أخرى من إسرائيل أنه بعد ستة أشهر من الجرعة الثانية من اللقاح، كانت مستويات الأجسام المضادة «أقل بكثير بين الرجال منها بين النساء». وبين الرجال الذين يبلغون من العمر 65 عاماً أو أكثر، كانت مستويات معينة من الأجسام المضادة بعد التطعيم أقل بنسبة 46 في المائة من النساء اللاتي جرى تطعيمهن في نفس الفئة العمرية.

*إذن، ما تفسير هذه الاختلافات؟

*يرى البعض أن معدلات الوفيات المرتفعة بين الرجال جراء «كوفيد – 19» ترجع إلى انخفاض معدلات التطعيم. يذكر أنه جرى تطعيم أكثر من 50 في المائة من الرجال الأميركيين على نحو كامل، مقارنة بـ55 في المائة من النساء.

ومع ذلك، لا يمكن لمعدلات التطعيم وحدها تفسير جميع النتائج المرتبطة بـ«كوفيد – 19» التي تبدو بوضوح أسوأ بين الرجال، خاصة أن التفاوتات في أعداد الوفيات والمضاعفات الأخرى تسبق ظهور اللقاحات.

*يقترح بعض الباحثين أن ارتفاع معدل الوفيات بين الرجال في حقيقته أمر زائف، بينما يؤكد آخرون أن عوامل مثل التزام ارتداء القناع أو الظروف الصحية الأساسية تفسر على الأرجح الاختلافات. في وقت مبكر من وقوع الجائحة، على سبيل المثال، اقترح البعض أن هذا الاختلاف بين النوعين يمكن إرجاعه إلى معدلات التدخين الأعلى بين الرجال في الصين، حيث لوحظ التباين للمرة الأولى.

*وربما يكون للعمل والعوامل الاجتماعية الأخرى مثل ارتداء أقنعة حماية الوجه دور، رغم أن النساء يشكلن نسبة مرتفعة للغاية من العمال الأساسيين، علاوة على أنهن أكثر احتمالاً لأن يشغلن وظائف كمساعدات للصحة المنزلية ومقدمات رعاية في دور رعاية المسنين، الأمر الذي قد يعرضهن للإصابة بـ«كوفيد – 19».

*علاوة على ذلك، هناك تفسيرات بيولوجية للاختلافات التي يجب توضيحها أو تستحق على الأقل مزيداً من الدراسة.

*ولاحظ باحثون بجامعة ييل أن هناك اختلافات راسخة في الاستجابات المناعية للعدوى بين الرجال والنساء. يذكر أن أمراضاً مثل السل أكثر شيوعاً بين الرجال. ويميل الرجال إلى الإصابة بأحمال فيروسية أعلى من فيروس التهاب الكبد الوبائي «سي» وفيروس نقص المناعة. ورصد الباحثون أنفسهم اختلافات في الاستجابات المناعية للرجال والنساء لفيروس «كوفيد – 19». ووجدوا أن الرجال المصابين بالفيروس لديهم مستويات أعلى في الدم من البروتينات الالتهابية التي تنظم الاستجابة، على سبيل المثال، الأمر الذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى استجابة مناعية مفرطة ضد فيروس «كوفيد – 19».

*ويرى باحثون آخرون أن العوامل الهرمونية قد تلعب دوراً في هذا الأمر، ذلك أنه ربما يكون للتستوستيرون دور في تخميد الاستجابة المناعية لدى الرجال، بينما قد يلعب الإستروجين دوراً في ميل النساء لامتلاك المزيد من الخلايا المناعية البائية، التي تنتج أجساماً مضادة. وقد يثبط الإستروجين نوع الخلايا المناعية التي يعتقد أنها تلعب دوراً في التهاب عضلة القلب.

*ومع ذلك، فإن الأسباب التي تجعل الرجال يبدون أسوأ حالاً تبقى غامضة في الغالب. وثمة حاجة إلى مزيد من البحث لفهمها، وهناك على الأرجح العديد من العوامل التي تلعب دوراً في هذا الأمر.

*كما أن المجتمع الطبي بحاجة لأن يبدي انفتاحاً أكبر تجاه استكشاف الفروق بين النوعين في المرض. وتتمثل إحدى طرق الاستجابة لتفاوت معدل الوفيات بين النوعين جراء «كوفيد – 19» في استهداف الرجال لحثهم على الحصول على لقاحات وجرعات معززة.

AdSense

التعليقات مغلقة.